الذهبي

666

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

وقيل : إنّهم عبروا خليج القُسْطنطينيّة وقدِموا بلاد قليج أرسلان بن سليمان بْن قُتُلْمش السَّلْجوقيّ ، فالتقاهم ، فهزموه في رجب سنة تسعين ، واجتازوا ببلاد ليون الأرمني فَسَلكوها ، وخرجوا إلى أنطاكية فحاصروها ، فخاف ياغي سِيان من النَّصارى الذين هُمْ رعيته ، فأخرج المسلمين خاصة لعمل الخندق ، فأصلحوه ، ثم أخرج النصارى كلهم من الغد لعمل الخندق أيضًا ، فعملوا فيه إلى العصر ، ومنعهم من الدخول ، وأغلق الأبواب ، وأَمِن غائلة النصارى ، وحاصرته الفرنج تسعة أشهر ، وهلك أكثر الفرنج قتلًا وموتًا بالوباء ، وظهر من شجاعة ياغي سيان وحزمه ورأيه ما لم يشهد من غيره ، وحفظ بيوت رعيّته النّصارى بما فيها ، ثم إن الفرنج راسلوا الزّرّاد أحد المقدَّمين ، وكان متسلّمًا برجًا من السور ، فبذلوا له مالاً ، فعامل على المسلمين وطلعوا إلى أن تكاملوا خمسمائة ، فضربوا البوق وقت السَّحَر ، ففتح ياغي سيان الباب ، وهرب في ثلاثين فارسًا ، ثمّ هرب نائبه في جماعة . واستُبيحت أنطاكية ، فإنا لله وإنا إِلَيْهِ راجعون ، وذلك في جُمَادَى الأولى من سنة إحدى وتسعين ، وأُسْقِط في يد ياغي سيان صاحبها ، وأكل يديه ندماً حيث لم يقف ويقاتل عَنْ حُرَمه حتّى يقتل ، فلشدة ما لحقه سقط مغشيا عَلَيْهِ ، وأراد أصحابه أنّ يُرْكِبُوه ، فلم يكن فيه حَيْلٌ يتماسك بِهِ ، بل قد خارت قوّته ، فتركوه ونجوا ، فاجتاز بِهِ أَرمنيّ حطّاب ، فرآه بآخر رَمَق ، فقطع رأسه ، وحمله إلى الفرنج . وقال صاحب المرآة : وكثر النفير على الفرنج ، وبعث السّلطان بَرْكِيارُوق إلى العساكر يأمرهم بالمسير مع عميد الدولة للجهاد ، وتجهز سيف الدولة صدقة بن مُزْيَد ، فجاءت الأخبار إلى بغداد بأنّ أنطاكية أخذت ، وأن الفرنج صاروا إلى المَعَرَّة ، وكانوا في ألف ألف إنسان ، فنصبوا عليها السلالم ، ودخلوها ، وقتلوا بها مائة ألف نفس ، وسبوا مثل ذَلِكَ ، وفعلوا بكَفَرْطَاب كذلك . قلت : دافع أهل المَعَرّة عَنْهَا ، وقاتلوا قتال الموت حتّى خُذِلوا ، فقتل بها عشرون ألفًا ، فهذا أصح .